الحرية .. لازمة الوجود الإنساني ابتداءاَ وانتهاءاً

اذهب الى الأسفل

الحرية .. لازمة الوجود الإنساني ابتداءاَ وانتهاءاً

مُساهمة  Admin في الأحد مارس 06, 2011 3:28 pm

تدور حياة الإنسان مدار التكوين والتشريع، فهناك أمور يكون الإنسان حرا فيما يختار، كاختيار اللباس والأكل والزوجة ونوع الدراسة والسكن وما أشبه، وبعضها خارجة عن إرادته كخلقته ووجوده في الحياة، بلحاظ أن: "التكوين هو الخلق والإيجاد الذي هو من تصرف الباري جل وتعالى، والتشريع هو الأمر والحكم"(1)، والتشريع الذي يقع على الإنسان ودوره في الحياة، يدور مدار الوجوب والحرمة وما بينهما المكروه والمستحب والمباح، ويأتي دور التشريع لتنظيم حياة الإنسان وفق إرادة الخالق، وهي إرادة تحيط بالإنسان من كل جوانبه لا تتخلف عنه، وإلا فُني الإنسان، ولمّا كان الخالق أعرف بخلقه وهي مسألة عقلائية، فان الله أعرف باحتياجات البشر، ولذلك ما شرعه لجنس البشر ينسجم مع تكوينهم وخلقتهم وفطرتهم فمن عدل الله أن ما أجراه من أحكام إنما هي متناغمة تماما مع ما أودعه في فطرة الإنسان، التي يعرفها الإمام علي (ع) بأنها "كلمة الإخلاص"، ويصفها الباحث السوري، أستاذ الفلسفة والمعارف الإسلامية بجامعة السوربون، الدكتور عضيمة، بقوله: "في الإنسان الفطرة هي مادته الأولى التي فطره الله عليها, وهي خالية من أي اثر ومستعدة لقبول أي اثر يباشرها، وهي تأخذ التسمية من الأعمال التي تكتسبها، فإذا اكتسبت صلاحا فهي صالحة، وإذا اكتسبت فسادا فهي فاسدة"(2).



ولا يمكن أن يكون هناك تعارض بين التكوين والتشريع، لان هذا التناقض يعني الجهل أو العبث وهو ما يؤدي إلى الظلم، والله سبحانه منزه عن ذلك كله: "وبالعدل الإلهي الذي يتجلى بانعدام التناقض بين التكوين الفطري للإنسان والتشريع الإلهي كان الإسلام دين الفطرة، وكان دينا واقعيا يتعامل مع طبيعة الإنسان التكوينية وواقعه، كما خلقه الله سبحانه"(3).



الحرية كونية طبيعية



من الثابت أن الله خلق الإنسان وأوجد معه لوازم الحياة والاستمرار فيها، ومن هذه الضروريات الملازمة لحياة الإنسان ابتداءاً وانتهاءاً هي الحرية، فهي معجونة مع صيرورة الإنسان، ومندكة في إنيّته، مذ كان ويكون، حتى يقف يوم القيامة في محكمة العدل الإلهية، يقول المحامي والأكاديمي والباحث المصري الدكتور العوا: "أن حرية الإنسان مقدسة - كحياته سواء بسواء- وهي الصفة الطبيعية الأولى بها يولد الإنسان: (ما من مولود إلا ويولد على الفطرة) وهي مستصحبة ومستمرة ليس لأحد أن يعتدي عليها"(4)، أما الباحث الإيراني، حميد حيدري، المتخصص في القانون الدولي، فهو يلفت أنظارنا، إلى أن: "الإمام الخميني (1902-1989م) بعنوان عالم أصولي - في مقابل الإخباريين- يعتقد بان الأصل الأول هو الحرية، أما الأحكام الصادرة عن الخالق سبحانه فتأتي في الدرجة الثانية، الأصل الأول هو الحرية أما الحدود الشرعية والقانونية فهي ثانوية، بدون أدنى شك، أن الأصل الأول – مثل أصالة الحِلِّية وأصالة الإباحة وعامة الأمور والأشياء على وجه الأرض خلقت وأوجدت من اجل الإنسان – هو انه يجوز الاستفادة بأي شكل كان من كل شيء ما لم يثبت الدليل على حرمته"(5). أما رجل الدين والتربوي الفرنسي المولد، الكندي المسكن،



مونتمورنسي دي لافال (Montmorency De Laval) (1622-1708م) فانه يعتبر الحرية قضاءاً مبرما وحتما، وعلى قاعدتها تقع جميع التبعات، فهو يرى أن: "الإنسان يصنع وجوده بحريته، أن (الحرية) كل غير قابل للتحليل، وأطرها هي هذه الوقائع والغايات، وإنها لا توجد إلا في موقف، غير أن الموقف لا يوجد إلا بها، فالإنسان مقضي عليه أن يكون حرا، إني مسئول عن كل شيء، ولكن لست مسئولا عن مسؤوليتي، أنا لست أساسا لوجودي، إني هذه (الحرية) التي يؤكد الوجود بها نفسه، وفي العقل الذي اكتشف به هذه هي الحرية"(6).



والحرية كما يؤكد، مفكران إسلاميان ومنظران حركيان، هما، الفقيه محمد الشيرازي (1928-2001م) والفقيه محمد باقر الصدر (1935-1980م)، إنها جعلية كونية طبيعية، يقول الباحث العراقي محمد غالب أيوب، أن: "الإمام محمد الشيرازي لأنه منظر إسلامي ويدافع عن وجهة نظر محدد يستنطق القران والسنة في الاستدلال على هذه الأصالة الذاتية للحرية، ومن هذه النصوص: (لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا) و(الناس كلهم أحرار..)، وكلا النصين لأمير المؤمنين علي (ع)، والنص الأول يجسد تماما وببراعة فذ أصالة الحرية، لأنه يعني: أن الحرية بالنسبة للإنسان جعلية، ذاتية، طبيعية، وان الحرية ليست إضافة خارجية، وإنما هي خلق رباني.".



ويضيف غالب: "وهذه الحرية الكونية التي طبع عليها الإنسان، وقد اصطلح عليها السيد محمد باقر الصدر بالحرية الطبيعية، يقول الصدر: (الحرية الطبيعية عنصر جوهري في كيان الإنسان، وظاهرة أساسية تشترك فيها الكائنات الحية بدرجات مختلفة، تبعا لمدى حيويتها، ولذلك كان نصيب الإنسان من هذه الحرية أوفر من نصيب أي كائن آخر، وهكذا كلما ازداد حظ الكائن من الحياة، عظم نصيبه من الحرية الطبيعية)، وهذه الحرية الكونية أو التكوينية بتعبير أدق هي إحدى: (المقومات الجوهرية للإنسانية، لأنها تعبير عن الطاقة الحيوية فيها، فالإنسان بدون هذه الحرية لفظ بدون معنى)"(7)، وكما يقول الفيلسوف الإيراني المولد، السيد محمد حسين الطباطبائي (1903-1981م) صاحب تفسير الميزان: "أن الإنسان مختار في الأفعال المنتسبة إليه الصادرة عنه باختياره أي انه مطلق العنان بالنسبة إلى الفعل والترك بحسب الفطرة غير مقيد بشيء من الجانبين ولا مغلول وهو المراد بحرية الإنسان تكوينيا"(Cool، أو قول السيد الخميني، أن الحرية: "حقا أوليا وفطريا طبيعيا وهبة إلهية للبشر"(9)، أو قول السيد جمال الدين الأفغاني (1839-1897م): "أن من الأشياء ما ليس يوهب، فأهما يلاشك الحرية والاستقلال.."(10).



في الواقع لا يمكننا إلا أن نسلّم بان: "الحرية حقيقة تكوينية في الإنسان، وليست تشريعية معطاة، فالتشريع أي تشريع كان، لا يمنح الإنسان الحرية، لسبب أساسي، وهو أن الحرية موجودة تكوينيا في الإنسان، فالإنسان خلق حرا، وكل ما على التشريعات سواء كانت وضعية أم إلهية هو أن تمنع مصادرة هذه الحرية أو العبث بها"(11)، أي الحيلولة دون تجاوز احد على احد، أو استئثار احد بحرية فائضة عن حدوده تستقطع من مساحة حرية الآخر دون وجه حق.



الحرية مظهر الوجود



وإذا كانت الحرية جعلية كونية، وهي كذلك بالفعل، فإنها وبمعنى آخر أصيلة في تكوين الإنسان، وان الأصل في الإنسان الحرية في مقابل العبودية في معناها اللغوي، فهي أصيلة في كينونة وفطرة الإنسان، إذ: "ليست الحرية من ضرورات الحياة فقط، بل هي فطرة شكلت حقيقة وجودنا الإنساني وجوهره، فلا بديل للإنسان عن الحرية ولا غنى له عنها، فهو يحتاجها كما يحتاج إلى الخبز والماء، ويتعطش إليها كما تتعطش الوردة الضاحكة في فم الرابية إلى الماء والتراب"(12)، فالفطرة إذن هي ذات قيمة، وهي قيمة ملزمة كما يقول العوا: "كفلها الإسلام للإنسان منذ كان، حتى عدت فطرة مما فطر الله الناس عليها، تؤكدها سيرة رسل الله جميعا وتثبتها نصوص القران والسنّة"(13).



والفطرة عند الإسلاميين كمصطلح، هي الطبيعة والجبلّة (Natural)، عند المفكرين الغربيين، من هنا فان الفيلسوف الانجليزي جون لوك (John Locke)(1632-1704م) قال: "أن الناس أحرار بالطبيعة"، فالإنسان كموجود هو: "حر ومستقل بشكل طبيعي وان جميع أفراد البشر متساوون فيما بينهم ولا احد يمكنه حرمان الإنسان من هذا الكنز العظيم (أي الحرية) ولا أن يجبره على طاعة قوة سياسية بدون رضاه، والرضا يحصل عن طريق التوافق مع الآخرين"(14)، وهي كذلك فكرة مسلّمة عند الفيلسوف الاجتماعي، الفرنسي، جان جاك روسو (Jacques Rousseau) (1712-1778)، إذ يفتتح بها كتابه (العقد الاجتماعي) (The Social Contract) الذي ألفه العام 1762م، وكأنها بديهة لا تحتاج إلى عناء البرهنة أو التدليل عليها: "يولد الإنسان حرا، لكنا نراه مكبلا بالأغلال في كل مكان.."(15)، وهو المعنى نفسه الذي يذهب إليه الفيلسوف الوجودي الروسي(*) نيقولاي الكسندرفيتش برديائيف (Aleksandrovich Berdyaev Nikolai)(1874-1948م)، فالحرية عنده: "شيء أصلي وأولي وليس موضوع برهان، إنها مسلّمة يفترضها العقل السليم، وهي موجودة كشرط لتواجدنا، وان أية محاولة لفهم فعل من أفعالها بطريقة عقلية تعني جعل هذا الفعل مثل ظواهر الطبيعة"(16).



فالحرية وجه آخر من أوجه الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فهي كما يقول الباحث الإيراني المتخصص بالقانون الدستوري الدكتور حبيبي: "أمر نابع من الفطرة البشرية وقد اهتم بها الإسلام اهتماما بالغا"(17). ولا يمكن أن تتخلف الحرية عن الإنسان، له أن يتصرف بها إيجابا أو سلبا، وبفعلها يقع الأجر له أو الوزر عليه، لكون الفطرة السليمة حاكية عن سمو الحرية، فانه لا يختلف في قيمتها، الشرقي والغربي، الأمي والمتعلم، الأبيض والأسود، الرجل والمرأة، الكبير والصغير، بل أن الصغير والمراهق يحاولان تقمص الحرية وممارستها إلى حد التمرد على الحدود، ولذلك يجد الآباء والمربون ورجال القانون صعوبة في كسر جماح الصغير أو المراهق الساعي إلى تجاوز حريات الآخرين تحت ضغط تصور خاطئ انه يمارس الحرية الحقيقية، أو أن من يقدم له النصح إنما يسعى لمنعه من ممارسة الحرية المرسومة في ذهنه.

Admin
Admin

عدد المساهمات : 868
نقاط : 2025
تاريخ التسجيل : 25/01/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://dream.forumpalestine.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى